اللحية منحتني الإذن
ما علّمتني إياه إطالة لحيتي، ثم تأسيس علامة للعناية بالرجل في السعودية، عن الرجولة والعناية والجمال.
نُقل إلى العربية عن المقال الأصلي بالإنجليزية. اقرأ الأصل بالإنجليزية

كنت جالسًا في سيارتي خلال استراحة الغداء، أفتح طردًا طلبته من أستراليا.
رآني أخي أطيل لحيتي، فقال: «يا رجل، لازم تستخدم زيت لحية.» لم أكن أعرف أن هناك شيئًا اسمه زيت اللحية. بحثت على الإنترنت، ووجدت شركة، وطلبت منها، وانتظرت أسبوعين تقريبًا حتى وصل الطلب.
كانت العبوة جميلة. داخلها بطاقة صغيرة كُتب عليها شيء مثل «أهلًا بك في عالم لحيتك»، وبعض المطبوعات الخاصة بالعلامة، وزجاجة بنية صغيرة. فتحتها وشممتها، ووضعت قطرتين تقريبًا في يدي، ثم وزّعت الزيت على لحيتي.
وصلتني الرائحة فورًا. أنزلت حاجب الشمس لأنظر في مرآته، ثم نظرت في مرآة السيارة الخلفية.
يا سلام! ريحتي حلوة. وشكلي حلو.
ما فاجأني هو حماسي. لم أكن معتادًا على نشر صور المنتجات في حساباتي، لكنني صوّرت الزجاجة وشاركتها فورًا، بلا تردّد.
كان زيتًا، لا أكثر. لكنه جعل العناية بنفسي شيئًا فيه مرح ورجولة وتجربة أشاركها مع آخرين. منحني طقسًا خاصًا، وأشعرني بأنني دخلت عالمًا لم أكن أعرف أنه موجود.
ولكي تفهم لماذا كان ذلك مهمًا، عليك أن تعرف أن اللحية لم تكن أمرًا محايدًا بالنسبة لي.
كنت في الصف الأول الثانوي في السعودية حين وقعت أحداث 11 سبتمبر. بعدها، أصبحت أكثر وعيًا بكيفية قراءة الناس للوجوه العربية، خصوصًا في السفر. كانت النصيحة في الأحاديث من حولي عملية: إذا كنت ستمرّ بمطار، احلق. اجعل ملامحك أقلّ عربية. قلّل المتاعب. تجنّب أن تُفتَّش أو تُستجوب «عشوائيًا».
فهمت لماذا يقولون ذلك. لكن حين تكرّر هذه الحسابات، تدرك أن الآخرين قد يحمّلون وجهك معاني قبل أن تنطق بكلمة. وقد تبدأ في النهاية بتعديل نفسك قبل أن تتاح لهم الفرصة.
لسنوات، جرّبت أشكالًا لشعر الوجه من دون تفكير عميق: سكسوكة، وخطّ لحية يحيط بالفك، وحدود مرتّبة. أيّ شكل يبدو مقبولًا في وقته.
ثم في عام 2014، ذهبت إلى حفل زفاف مع زوجتي وشريكتي سامية. كانت القاعة جميلة، والضوء يدخلها، والجميع في كامل أناقتهم. وبين أصدقاء العريس، وقف رجل بلحية كبيرة وربطة فراشة وحمّالات بنطال. كان مفتول العضلات، ويشبه مستر تي.
لم يكن أطولهم، لكنه كان الشخص الذي تتّجه إليه عيناك. يرقص ويقفز ويحتفل بصديقه، ويملأ الحفلة بالحياة. بدا شخصًا تريده في حفلتك، وتتمنّى أن يكون صديقك.
أتذكّر أنني نظرت إليه وفكّرت: أريد أن أبدو مثل هذا الرجل.
لم تكن اللحية وحدها. كان ذلك الارتياح الذي بدا عليه مع نفسه. كانت لحيته أنيقة وواثقة ومرحة. لم يبدُ كأنه يعتذر عن وجهه، بل كأنه يستمتع به.
غيّر ذلك الزفاف تصوّري عمّا يمكن أن تكون عليه اللحية. وواصلت إطالة لحيتي.
كانت البداية محرجة ومصحوبة بالحكّة. نمت بشكل غير متساوٍ، وكان لكل شخص رأي. سألني البعض إن كنت قد أصبحت متديّنًا أو محافظًا. ومزح آخرون: «إيش هذا، داعش؟» أصبح وجهي ملكًا عامًا.
كانت نيّتي أبسط بكثير. أردت أن أبدو جيدًا وأن أعبّر عن نفسي. وفي المؤسسة ذات الطابع الرسمي التي كنت أعمل فيها، أصبحت إطالة اللحية أيضًا تمرّدًا صغيرًا على الشعور بأن عليّ دائمًا أن أجعل نفسي مقبولًا لدى الآخرين.
بعد نحو ستة أشهر، حلقتها.
كنت واقفًا في الحمّام الصغير بجوار غرفة نومنا، وماكينة الحلاقة في يدي. أظن أنني بدأت بترتيب الجانبين، ثم حوّلتها إلى سكسوكة، وأخيرًا قلت لنفسي: حسنًا، لنحلقها كلها.
حين رفعت عيني إلى المرآة، كان نصف وجهي قد اختفى.
بدا وجهي أصغر وأقلّ حضورًا. كان الشعر في المغسلة. واستطعت فجأة رؤية شفتيّ مجددًا، ولم أفكّر إلا في شيء واحد: شفتاي صغيرتان جدًا.
ندمت فورًا. لم أكن قد أطلت لحيتي إلا بضعة أشهر، لكن حلقها بدا كأنه أزال جزءًا من هويتي. كانت تلك آخر مرة أحلق فيها بهذا القرب من البشرة.
بدأت اللحية كمظهر. وفي مرحلة ما، أصبحت جزءًا من الصورة التي أعرف بها نفسي. ثم جعلتها العناية شيئًا أكبر.
منحتني اللحية طريقة مألوفة في ثقافتي لأستمتع بالرائحة والنعومة والعناية ببشرتي ومظهري، من دون أن أشعر بأنني خرجت عن الرجولة. يمكن أن تكون لي لحية عربية كبيرة، وأن أقول أيضًا إنني أحبّ رائحة زيت على بشرتي. أستطيع أن أهتمّ بنعومة شعرها، وأن أصف شيئًا بأنه «لطيف». لم أشعر بأي تناقض في ذلك.
لا أقصد أن كل رجل عربي يعيش تجربته مع لحيته بهذه الطريقة. لا أستطيع التحدّث إلا عن وجهي وتاريخي والرجال الذين التقيتهم من خلال العمل الذي جاء لاحقًا.
بمجرد أن اكتشفت زيت اللحية، بدأت ألاحظ شركات العناية باللحية في كل مكان: أستراليا وأوروبا والولايات المتحدة. عبوات جميلة، ولغة مرحة، ومجتمعات كاملة حول رجال يعتنون بأنفسهم.
ثم سألت سؤالًا بدا بديهيًا: أين العلامة العربية للعناية باللحية؟
كانت اللحى كثيرة حولي. وكانت هناك علاقة عميقة أصلًا بالعود والمسك والبخور والزيوت والعطور وحسن المظهر. لحى كثيرة، لكن الحديث عن العناية بها كفئة معاصرة كان قليلًا.
ظننت أن الأمر سيكون بسيطًا. نأخذ بعض الزيوت، ونخلطها، ونعطي المنتج اسمًا، ونبني علامة جميلة. وانتهينا!
هكذا تفكّر قبل أن يعلّمك المشروع ما معنى إدارة مشروع فعلًا.
جاء الاسم وأنا وسامية في سفر. علّق شخص على صورة لنا، وسألها عمّا يفعله زوجها بوجهه. ردّت سامية بالإنجليزية: «Why? I’m digging it.» أي: «ليش؟ عاجبني شكله.»
نظرنا إلى بعضنا.
في الحجاز، نستخدم كلمة «دقن» للذقن واللحية، ونطقها قريب من «dig in» بالإنجليزية. كان اسم Diggn’It يصلح باللغتين في الوقت نفسه. وحين سمعناه، شعرنا أنه أجمل من أن نتركه يضيع.
عندما عدنا إلى جدة، عرضنا الفكرة على أصدقائنا. انضمّ إلينا مهندس كيميائي كشريك وتولّى العمل على التركيبات. وانضمّ مصمّم جرافيك إلى المشروع وبنى هويته. تولّت سامية جزءًا كبيرًا من نشاط العلامة المبكّر على إنستغرام، والتقطت الصور، وواصلت فقرة «أربعاء وسيم» قبل أن تكون لدينا منتجات جاهزة للبيع. شمّت عائلاتنا العيّنات وأعطتنا ملاحظاتها. وكنت أحمل عبوات زيت صغيرة أينما ذهبت، وأطلب من الناس أن يشمّوها.
وبحثنا أيضًا عمّا كان موجودًا أصلًا في ثقافتنا. جلست بجوار جدّتي وسألتها عمّا كان الناس يستخدمونه لشعرهم. نظرت إليّ كأنني سألتها إن كان الماء يبلّل.
قالت لي: الكل يعرف. معروف.
بدأت تعدّد زيوتًا استخدمها الناس لأجيال. كنت أكتشف كرائد أعمال ما كان بالنسبة لها معرفة يومية عادية.
والله ما كنت أدري.
غيّر ذلك معنى العلامة عندي. لم نكن نستورد موضة عالمية للحية ونضع عليها كتابة عربية. كانت ثقافة العناية موجودة أصلًا. وكانت الفرصة في استعادة جزء منها، وإعطائه شكلًا معاصرًا، وجعل مشاركة الرجال فيه بشكل علني أسهل.
فهمت ذلك بوضوح أكبر في إحدى أولى فعاليات البيع التي شاركنا فيها بجدة. خُصّص معظم المكان لأزياء النساء ومستحضرات التجميل والإكسسوارات. وفي وسطه وقف ركننا: صناديق خشبية، وقماش تراثي، وزجاجات سوداء، ومسك وعود، وشعار كبير بلحية.
كان الناس يقتربون ويسألون: «إيش هذا؟»
كان عليّ أن أتعلّم الإجابة في اللحظة نفسها. وجدت نفسي أقول: «يا رجال، أنتم كمان لازم تعتنون بأنفسكم.»
كانت تلك الجملة أقرب إلى حقيقة المشروع من أي وصف للمنتج. لم أكن مهتمًا بأن أقول للرجال «استرجل» أو «كن رجلًا حقيقيًا». الرسالة وراء دقن إت، كما فهمتها، كانت أبسط: قدّر نفسك. اهتمّ بمظهرك. واعتنِ بنفسك جيدًا.
حين أنظر إلى أكثر من عشر سنوات في هذا المجال، أظن أن تعريفي لجمال الرجل بدأ يتشكّل هناك. ليس الجمال مجرد جاذبية وفق المقاييس المعتادة. إنه علاقة الرجل بالعناية: ما يسمح لنفسه بأن يلاحظه ويعبّر عنه ويحسّنه ويستمتع به، من دون أن يشعر بأن رجولته مهدّدة.
بالنسبة لي، جعلت اللحية ذلك الإذن مرئيًا. حملت المعاني التي وضعها عليها الآخرون: الدين والخطر والتقاليد والجدية، ومع ذلك اتّسعت للرائحة والمرح والنعومة والثقة واحترام النفس. لم تحاول دقن إت تعريف الرجولة العربية. منحتنا وسيلة لاستكشاف أحد أشكالها من خلال العناية، بدل التعليمات عمّا يجب أن يفعله «الرجل الحقيقي».
بدأت اللحية شعرًا على وجهي. ثم أصبحت طقسًا، ومنتجًا، وشركة، وحوارًا.
لكنها كانت، قبل كل شيء، إذنًا.