كل الكتابات

لا أطلب الإذن لأكون سعوديًا

منذ عشر سنوات، يقول لي البعض إنني لست سعوديًا بما يكفي. السؤال الأصعب هو: هل تتّسع فكرتنا عن السعودي للسعوديين الموجودين بيننا أصلًا؟

نُقل إلى العربية عن المقال الأصلي بالإنجليزية. اقرأ الأصل بالإنجليزية

رسم بالألوان المائية لوسيم سندي بلحية كثيفة وجانبي رأس محلوقين، وشريط ضيق من الشعر ممشّط على قمة الرأس، أمام جدار حجري بألوان دافئة بين الظل وشعاع ضوء مستطيل.

تكرّرت معي لعبة التخمين نفسها في لبنان والأردن ودبي ومصر.

يقابلني أحدهم. يرى قصة شعري، الموهوك، والشارب، واللحية، والوشوم. يسمع طريقتي في الكلام. وفي النهاية يسألني: من أين أنت؟

«خمّن.»

يبدأ بالتنقّل بين بلدان العالم العربي، يذكر بلدًا ثم آخر. السعودية لا تأتي على باله. وحين أخبره أخيرًا، أسمع الرد نفسه.

«مستحيل.»

تكرّر الأمر كثيرًا حتى صار يضحكني. أرى الشخص يحاول التوفيق بين من يقف أمامه وبين صورة السعودي التي يحملها في رأسه. يبدو أن الصورتين لا يُفترض أن تجتمعا في شخص واحد.

مؤخرًا، ترك شخص تعليقًا على أحد مقاطعي في يوتيوب جعل تلك الدهشة أقل إضحاكًا. بدأ بمدحي، ثم قال إن وشومي ومظهري وطريقتي في الكلام ليست سعودية. قال إنني أتشبّه بغير المسلمين، وإن عليّ أن أمثّل الهوية السعودية بطريقة أخرى.

أسمع كلامًا من هذا النوع منذ بدأت صناعة المحتوى قبل عشر سنوات: أنني لست سعوديًا بما يكفي. لم يكن هذا التعليق الأول من نوعه، ولن يكون الأخير.

لم يكن ردّي الأول فلسفيًا جدًا.

طز فيك.

وما زال هذا هو الرد الصادق. لكنني أتذكّر أيضًا نكتة قديمة عن رجل يسأل حكيمًا عن سر السعادة.

يقول الحكيم: «لا تجادل الأغبياء أبدًا.»

«أنا أختلف معك.»

«نعم، معك حق.»

أفهم جاذبية الفكرة. لا أحتاج إلى كسب كل جدال مع كل غريب. لكن حين يلاحقك التعليق نفسه عشر سنوات، يبدأ في كشف شيء يستحق التأمّل. لماذا يصبح وجود سعودي لا يطابق صورتهم مشكلة يشعرون أن عليهم حلّها؟

قد لا تعجبك وشومي. قد ترى أن قرارًا اتخذته كان خطأ. قد لا يعجبك شعري، أو ملابسي، أو لهجتي، أو أفكاري، أو طريقتي في التصرّف. يمكننا أن نختلف. لا أحتاج إلى استحسان كل من يقابلني.

لكن عدم رضاك عنّي لا يمنحك سلطة تقرير ما إذا كنت أنتمي إلى بلدي.

وإذا كان مظهري يجعلني أقل سعودية، فما المظهر الذي يجعل الإنسان سعوديًا كما ينبغي؟ ماذا يفترض أن نلبس؟ وكيف نتكلّم؟ وأين يُسمح لنا بالتفكير بشكل مختلف؟ وكم من التنوّع يتّسع له هذا القالب الذي رسمته لنا؟

تبدو الأسئلة عبثية حين ننطقها بصوت عالٍ، لكن الضغط وراءها حقيقي. قد تتحوّل الهوية السعودية إلى صندوق تصنعه الملابس، واللغة، والدين، والعائلة، والمنطقة، والطبقة، وكل ما يراه صاحب الحكم طبيعيًا. وغالبًا لم يضع هذا التعريف عن وعي. لقد خلط بين السعوديين الذين يعرفهم وكل السعوديين الذين يمكن أن يوجدوا.

عشت جزءًا كبيرًا من حياتي داخل هذا الالتباس.

حين كنت في كندا، كنت السعودي. وحين كنت في السعودية، كنت الكندي. نشأت هنا، لكنني درست في مدرسة عالمية. أصبحت الإنجليزية اللغة التي أعبّر بها بسهولة أكبر، بينما كنت أحيانًا أراقب نفسي بقلق حين أتكلّم بالعربية. ظلّ ولائي للسعودية، حتى حين كانت كل بيئة تضعني في خانة مختلفة.

ما فهمته في النهاية هو أنني كنت أنتمي أصلًا. لم أكن أنتظر من كندا، أو من مدرسة عالمية، أو من مجموعة من العرب، أو من غريب على الإنترنت شهادة تثبت ذلك. كان التشكيك يزعجني تحديدًا لأنني أعرف إلى أين أنتمي.

ومع ذلك، احتجت إلى وقت لأرتاح لفكرة أن جوانبي المختلفة لا تطابق دائمًا الصورة التي يحملها الآخرون. لسنوات، كنت أتكيّف. أحيانًا أشرح نفسي أو أحاول أن أسهّل على الآخرين فهمي. وأحيانًا أستمتع بكوني السعودي غير المعتاد بين الحاضرين. وأحيانًا أتعب من ذلك. كان الشعوران صادقين.

ما يشغلني الآن هو التناقض بين المستقبل الذي نقول إننا نريده والتشابه الذي ما زلنا نحاول فرضه.

نتحدّث عن الابتكار، والتحوّل، وريادة الأعمال، والعلامات السعودية الجديدة، وطرق العمل الجديدة. نريد من الناس أن يتخيّلوا أشياء لم تكن موجودة. ثم يأتي شخص يتصرّف بشكل مختلف، أو يبدو غير مألوف، أو يفكّر خارج المدى المتوقّع، فتكون استجابتنا الأولى إعادته إلى الصف.

نريد التغيّر، لكننا لا نرتاح دائمًا لمن تغيّروا.

أعود كثيرًا إلى فكرة أن الابتكار يأتي غالبًا من الأطراف، ولا أقصد أن أكثر الناس تطرّفًا هو الأكثر حكمة تلقائيًا. التمرّد ليس تقدّمًا بالضرورة. أغلب الأفكار غير المعتادة ربما لا تفيد، وبعض التقاليد تحمل معرفة لم يفهمها بعد من يحاول كسرها.

ما قد يمنحك إيّاه الوقوف على الطرف هو زاوية رؤية. حين تكون إحدى قدميك خارج منظومة ما، قد ترى القواعد التي لم يعد من في مركزها ينتبهون إليها. تسأل لماذا يجب أن تسير الأمور بهذه الطريقة. تلاحظ ما ينقص. وتجمع بين أشياء أبقتها التصنيفات السائدة متباعدة.

أظن أن لهذا الموقع علاقة ما بدقن إت.

لم نخترع اللحية، أو الروائح، أو الزيوت، أو العلاقة التي كانت تربط الرجال في ثقافتنا بالعناية والمظهر. كانت هذه الأشياء مألوفة. ما رأيناه هو تعبير معاصر غائب عنها: علامة عربية للعناية بالرجل، فيها مرح وأناقة وجذور هنا، من دون أن تنسخ تصوّر شخص آخر لما يجب أن يبدو عليه «العربي» أو «الحديث».

كنت قريبًا بما يكفي لأعرف الثقافة، وبعيدًا بما يكفي لأسأل لماذا لم توجد هذه الصيغة بعد.

لم تنشأ دقن إت لأن لديّ قصة موهوك أو وشومًا. نشأت لأن مجموعة منّا عملت عليها. سامية، وشركاؤنا، وأصدقاؤنا، وأهلنا، وعملاؤنا، حمل كل منهم جزءًا منها. ومع ذلك، أظن أن ارتياحي لعدم الانسجام التام ساعدني على رؤية فئة تقبّل آخرون غيابها.

على المجتمع الذي يتغيّر أن يحذر من سحق هذا النوع من الاختلاف. لا يتطلّب ذلك أن نعامل كل من لا ينسجم مع السائد كعبقري لم يُكتشف، أو كل تقليد كعدو. ولا ينبغي أن تصبح الهوية السعودية فضفاضة إلى حدّ تفقد معه معناها. يحتاج البلد إلى ذاكرة، ولغة مشتركة، والتزامات، ومسؤوليات، وأشياء يتعرّف الناس من خلالها إلى بعضهم. لكنه لا يستطيع أن يطلب من كل شخص أن يصبح نسخة من الآخر.

السعوديون الذين أعرفهم لا يتشابهون كلهم في الشكل، أو الصوت، أو التفكير، أو طريقة الحياة. ولماذا يتشابهون؟ في السعودية مناطق، وعائلات، ولهجات، وتواريخ، وأذواق، ودرجات من الالتزام الديني، وأفكار وطموحات مختلفة. لا أدّعي أنني أمثّلهم جميعًا. ولا يمثّلهم أي سعودي بمفرده، بمن فيهم من يخبرني كيف يجب أن يبدو السعودي.

ويزعجني الجانب الديني لسبب قريب من ذلك. أنا مسلم، وأعتزّ بإسلامي. لكنني لا أطابق صورة المسلم التي يعتقد هذا الرجل أن له سلطة تحديدها. إن رأى أن شيئًا فعلته خطأ، فله أن يقول ذلك. لكن رؤية الوشوم، أو سماع لهجة، أو عدم الإعجاب بمظهري، لا تمنحه حق الوصاية على إيماني. هو لا يعرفني، ولم تكن له هذه السلطة أصلًا.

إيماني وجنسيتي ليسا زيّين أرتديهما بالطريقة الصحيحة لنيل رضا الغرباء.

أمزح أحيانًا وأقول إن السعوديين إمّا يحبّونني أو يكرهونني. أتخيّل أن معظمهم غير مهتم، ههه. الإنترنت لا يُريك غير المهتمّين كثيرًا. يُريك من يرى الموهوك ويقول: جميل. ومن يرى الموهوك نفسه ويشعر أن البلد يتعرّض لهجوم.

لا أريد أن أبني هويتي على أيّ من ردّي الفعل.

أصبحت مرتاحًا لمن أكون وللاختلافات التي أحملها. أقابل أناسًا يشبهونني، وأقابل سعوديين، لكنني لا أقابل كثيرًا من السعوديين الذين يشبهونني. قد يكون في ذلك شعور بالوحدة. وقد يمنحني أيضًا زاوية مفيدة لفهم من حولي.

لسنوات، نظر إليّ الناس وحاولوا حلّ ما رأوه تناقضًا: سعودي، مسلم، موهوك، شارب، لحية، وشوم، كلام صاغته الإنجليزية، وأفكار لا تقف دائمًا في الوسط.

لم أعد أشعر بأن هذه الأشياء متناقضة. هي تجتمع لأنني أجمعها في حياتي.

ليس مطلوبًا منك أن تحبّ هذه التركيبة أو تفهمها. ولا أن توافق عليّ. ما زلت سعوديًا. وما زلت مسلمًا. ولا أطلب إذنك في أيّ منهما.

السؤال الأصعب هو: هل تتّسع فكرتنا عن السعودي للسعوديين الموجودين بيننا أصلًا؟

واصل القراءة

تجد هنا المزيد من كتاباتي، والكتاب الذي أعمل عليه.

عن الكتاب