كل الكتابات

البلد الذي كنت أعدّ الأيام لأغادره

لسنوات، كنت أعدّ الأيام لأغادر السعودية. ثم عدت مع أطفالي إلى حياة يومية مختلفة، وأعدت التفكير في الحرية والعائلة والبيت، من دون أن أحكم بأنني كنت مخطئًا في شبابي.

نُقل إلى العربية عن المقال الأصلي بالإنجليزية. اقرأ الأصل بالإنجليزية

مفاتيح سيارة إلى جانب حقيبة مدرسية وعلبة غداء ومشتريات في منزل تضيئه الشمس بجدة.

أول مرة شعرت فيها أنني عدت إلى بلد مختلف كانت في يوم دراسي عادي.

كنّا قد عدنا للعيش في السعودية، وبعد بضعة أسابيع بدأت الدراسة. في البداية، لم تكن زوجتي سامية مرتاحة للقيادة هنا. كانت قيادة النساء مسموحة منذ سنوات، لكننا نشأنا في بلد كانت فيه الفكرة من المستحيلات. قد يتغيّر النظام أسرع مما يتأقلم معه جسدك.

لذلك كنت أوصل الأطفال إلى المدرسة صباحًا، ثم أعود إلى البيت وأبدأ العمل، وأتوقّف عمّا أفعله لأحضرهم. احتاجت مشتريات البيت والمشاوير إلى التخطيط نفسه. كانت سامية إمّا تنتظرني أو تطلب سيارة عبر أحد التطبيقات. ورغم أنني أعمل من المنزل، كان يوم العمل يتقطّع حول مشاوير السيارة.

تدرّبنا معًا أيام الجمعة حين تكون الحركة أخفّ. ثم قرّرت يومًا أن تحضر الأطفال بنفسها. أوصلت الأطفال صباحًا، وعدت إلى البيت، وعملت وساعدت في إعداد الغداء. ذهبت سامية إلى متجر البقالة، واشترت ما تحتاجه، وأحضرت الأطفال، ثم عادت.

هذا كل ما حدث. بلا سائق. بلا سيارة نطلبها من تطبيق. بلا انقطاع في منتصف عملي. وبلا نقاش عائلي حول كيفية تدبير مشوار عادي.

يصعب شرح كم كان هذا اليوم سيبدو مختلفًا في السعودية التي نشأت فيها. والأصعب أن أشرح غرابة أن أكون أنا من عاد ليعيشه.

فلفترة طويلة، كانت السعودية البلد الذي أعدّ الأيام لأغادره.

لم أكن أكرهها. هذه رواية أبسط من الحقيقة. وُلدت في كندا لأبوين سعوديين، وانتقلت إلى السعودية وأنا صغير. كانت السعودية البيت والأهل والطعام والطقس والمدرسة والدين والقواعد، وكل ما يتقبّله الطفل بوصفه شكل العالم.

ثم بدأ والداي يرسلانني أنا وأخي إلى مخيّم صيفي في كندا. منحتني كندا حياة أخرى أقارن بها. كان الناس يتحرّكون بشكل مختلف، وكان للأطفال نوع آخر من الاستقلال. كانت تدور أحاديث لا أسمعها في السعودية. أعود بما عرفته، وأحاول أن أجد له مكانًا في الحياة التي أعرفها.

أصبحت المقارنة أمرًا معتادًا قبل أن أفهم أثرها عليّ. في كندا كنت السعودي، وفي السعودية كنت الكندي.

شعرت بالولاء للسعودية أينما كنت. إذا اختزلها أحد في صورة نمطية، أردت أن أصحّح له. وكنت أعرف أيضًا معنى أن تكون شابًا فيها خلال التسعينيات وبداية الألفية، حين قد تشعر أن مستقبلك مرسوم لك، وأن التعبير عن نفسك قد تكون تبعاته أكبر مما يستحقّ في نظرك.

أرتني كندا أن الحياة التي نشأت فيها ليست الطريقة الوحيدة للعيش. بدأ التنقّل يعني لي الحرية. إذا أردت أن أتعلّم، غادرت. وإذا أردت أن أرى من يمكن أن أصبح، غادرت. وإذا شعرت بالقيود، بدا لي أن الإجابة في مكان آخر.

منحتني تلك الرغبة حياة كاملة. أصبحت كندا جزءًا من لغتي وتاريخي وعائلتي. لم تكن مجرد المكان خارج السعودية. كانت أحد بلديّ. منحتني أناسًا أحبّهم، وطريقة مختلفة للنظر، ومسافة كافية لأفهم أنه لا بلد يحتكر تعريف الحياة الطبيعية.

وعلّمتني شيئًا لم أفهمه وأنا أصغر: قد تصبح الحياة اليومية صعبة في أي مكان. حين كنّا، أنا وسامية، نربّي أطفالًا صغارًا في كندا، كانت الصعوبة في الشعور بالوحدة ونحن نعيش حياتنا العائلية من دون أهل قريبين يساندوننا كل يوم.

أنا وسامية وُلدنا في اليوم نفسه، الأول من يناير. قبل الأطفال، بدا ذلك هدية من التقويم. العالم كلّه يسهر ويعدّ معنا تنازليًا. بعد الأطفال، أصبحت ليلة رأس السنة ليلة نبقى فيها بالبيت ونحاول ألّا ننام. وإذا أردنا لقاء الناس، خرج أحدنا أحيانًا وبقي الآخر مع الأطفال.

في زيارة للسعودية قبل عودتنا، بدت الليلة نفسها مختلفة تمامًا. كان الأطفال عند أجدادهم، وذهبت أنا وسامية إلى حفلة معًا. كان هناك أقارب وأصدقاء. أشخاص من جيل والدينا، ومن جيلنا، وأصغر منّا أيضًا. الجميع يستقبل العام الجديد في المكان نفسه.

أتذكّر أنني فكّرت: هذه ببساطة حياة جميلة. ربما تبدو الجملة أصغر من التفسيرات التي يحبّ الناس تقديمها لقرار الانتقال بين بلدين، لكنها احتوت ما أصبح أهمّ لنا. كان أطفالنا محاطين بحبّ يتجاوز الشخصين اللذين يتولّيان تربيتهم يوميًا. نستطيع أن نكون أبوين، وأن تبقى لنا حياة معًا. ويستطيع الأطفال أن يعرفوا أجدادهم وأقاربهم وعادات العائلة من داخلها.

غيّرت الأبوّة الأسئلة التي أطرحها على المكان. وأنا شاب، كان السؤال: هل أستطيع أن أكون نفسي هنا؟ مع الأطفال، أصبح سؤال آخر أكثر إلحاحًا: هل يستطيعون أن يكونوا أنفسهم هنا؟

هل ستكون العربية لغة حيّة في حياتهم، أم شيئًا نحاول الحفاظ عليه بالدروس والتذكير؟ هل ستكون السعودية بيتهم، أم البلد الذي جاء منه والداهم؟ هل سيفهمون النكات والتحيات والكلام غير المباشر والدفء والواجبات لأنهم عاشوا بينها، أم سنقضي أنا وسامية سنوات نشرح لهم ثقافة من وراء المحيط؟

مع كل زيارة، صار تجاهل هذه الأسئلة أصعب. نأتي إلى السعودية مع الأطفال ولا نريد المغادرة. كانت العائلة جزءًا من السبب، وكان البلد نفسه يبدو مختلفًا عمّا أتذكّره.

لاحظت أن حضور النساء في الحياة العامة تغيّر. وفي المقاهي، رأيت شبابًا سعوديين يعملون ويؤسسون مشاريع ويعبّرون عن أنفسهم في ملابسهم وعنايتهم بمظهرهم بطرق لا أتذكّرها من شبابي. كانت ملاحظات صغيرة، وليست مقياسًا للبلد كله. لكنها جعلت الحياة اليومية تبدو لي أقلّ جمودًا.

لم يكن على السعودية أن تصبح مثالية كي أشعر بالأمل في العيش فيها. لا يلزم أن يكون كل شيء مثاليًا. تريد فقط أن ترى الأمور تتحسّن.

في تلك المرحلة من حياتنا، شعرت أن السعودية تنفتح. أمّا كندا، بالنسبة لنا، فصارت أثقل: أكثر عزلة، وأغلى، وأقلّ قدرة على منح عائلتنا الحياة التي أردناها حول أطفالنا. لا أقول هذه المقارنة بسهولة. كندا جزء منّي. وهي التي منحتني الكثير من الحرية والمسافة اللتين ساعدتاني أصلًا على رؤية السعودية بوضوح.

جعلت ظروف عملية عودتنا ممكنة، إلى جانب المشاعر. كان الأهل هنا. وكانت هنا حياة يومية نريدها. تغيّر البلد بطرق وصلت إلى بيتنا. وكان أطفالنا في عمر شعرنا فيه أن علاقتهم بالعربية والثقافة لا تحتمل التأجيل. كنّا مستعدّين للانتقال.

تغيّر البلد. وتغيّرت عائلتي. وتغيّرت أنا. لا أستطيع فصل هذه التغيّرات بما يكفي لأحوّل تجربتي إلى نصيحة عن المكان الذي ينبغي لأي شخص آخر أن يعيش فيه.

كل ما أستطيع قوله هو أن الشاب الذي كنته لم يكن مخطئًا. كان يستجيب للبلد الذي عرفه، ولما احتاجه آنذاك. احتاج إلى تجارب جديدة، وتنقّل، ومعرفة أن العالم أوسع من الحياة التي يعرفها. وهذا ما أعطتني إيّاه المغادرة.

طلبت منّي العودة أن أنظر من جديد. بقيت حكايتي الأولى عن السعودية ثابتة، بينما تغيّرت الحياة التي سأعود إليها. وتغيّر معنى الحرية عندي أيضًا. لم تعد الحرية مجرد القدرة على الرحيل. أصبحت أجدادًا يستطيعون رعاية الأطفال، وزوجة تقود من دون أن تنتظرني، وأطفالًا يلتقطون العربية من حولهم، ومستقبلًا تشارك فيه عائلتنا بدل أن تراقبه من مكان آخر.

في اليوم الذي أحضرت فيه سامية الأطفال، لم يحدث شيء درامي. عادت إلى البيت. وعاد الأطفال. وواصلت عملي. ومضى اليوم.

كنت جالسًا في البلد الذي يتذكّره الشاب الذي كنته، أعيش يومًا لم يكن ليتخيّله. أنا سعيد بأنه غادر. وسعيد أيضًا لأنني عرفت متى لم تعد حكايته كافية.

واصل القراءة

تجد هنا المزيد من كتاباتي، والكتاب الذي أعمل عليه.

عن الكتاب